كيف تقرأ "واصبر نفسك"؟

إنه أمر من الله تعالي لك ... أمر واضح وصريح ولا يحتمل معاني كثيرة: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغلفنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا

قد تتعبد بقراءة الآية عند تلاوتك سورة الكهف ولكن هل تتعبد باتباعها؟ هل الأولى الترديد أم الأولى التطبيق؟ ما حكم من يردد ويتجاهل التطبيق؟

تحتوي الآية على أمر واحد ونهيين: الأمر هو واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه

والنهيان هما: ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا
ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا

يأمرك الله بأن تصبر نفسك لتبقي مع مجموعة معينة من البشر لها صفات واضحة ثم ينهاك الله عن أن تبعد عيناك عنهم فلا تتطلع لغيرهم 

لماذا الصبر؟ ألم يكن من الممكن أن يقول الله مثلاً: والزم نفسك أو رافق أو ابقى مع بدلاً من واصبر نفسك؟ يأمرك الله بالصبر لأن هذا الأمر يحتاج إلى صبر. قد توحي إليك نفسك بالبعد عنهم في وقت من الأوقات فيأمرك الله أن تلجمها وتنهاها عن تلك الخواطر وتلتزم بالصبر مع هولاء الناس. قد تجد منهم ما لا يعجبك ... فقد لا يكونوا على نفس مستوى توقعاتك أو قد يصدر منهم بعض الكلمات أو المعاملات التي تضايقك أو قد تكون بعض عاداتهم مختلفة عنك أو قد لا يفهمونك ... ولهذا فعليك أن تصبر. ابقى معهم

يحتاج الأمر إلى صبر لأنه ليس مقيد بفترة زمنية محددة. هو أمر يتبع مادمت حياً فبالتالي يحتاج إلى صبر لأنك ستلتزم به طوال حياتك. ابقى معهم مهما طال الزمان.

ابقى معهم لأن بقاءك معهم سيذكرك بالله وستتعاون معهم على البر والتقوى وستتواصوا بالحق وتتواصوا بالصبر

ويأمرك الله أن تبقى معهم حصرياً فلا تعد عيناك عنهم. لا تتطلع إلى سواهم. لا تكن معهم بينما قلبك وتطلعاتك تحن إلى آخرين. فالخطوة الأولى هي أن تصبر نفسك معهم وهي خطوة تحتاج إلى عزيمة وإرادة والخطوة الثانية أصعب. "لا تعد عيناك عنهم" تحتاج إلى قلب واخلاص. والله يأمرك بالخطوتين معاً

والنهي الثاني هو نهي واضح أيضاً. لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً. تعطي الآية ثلاث صفات واضحات لمن ينهانا الله عن طاعته. قد يكون هذا الشخص لطيفاً وظريفاً ومسل ولك معه صلة قوية ولكن الله يأمرك ألا تتبعه لو تحلى بتلك الصفات:

قلبه بعيد عن ذكر الله ... قد تسأل - كيف أعرف ما في قلبه؟ والإجابة سهلة: فاللسان يكشف عن ما في القلب وكل إناء ينضح بما فيه فمن كان قلبه مشغولاً بذكر الله ستجد أن حديثه واهتماماته وآراءه تذكرك بالله ومن كان قلبه غافلاً عن ذكر الله سيفضحه حاله ولسانه.

اتبع هواه ... جعل إلهه هواه. يجري وراءه ويتبعه ... قد يؤمن بالله رباً خالقاً ولكن أعماله تشير إلى عدم إيمانه بالله إلهاً حاكماً آمراً ناهياً. 

كان أمره فرطاً ... لا يسلك طريقاً مستقيماً. تائه في أفكاره وفي حياته. قد يكون غنياً متمتعاً بزينة الدنيا ولكن داخلياً هو مشتت مكتئب أمره فرط كحبات العقد التي تقع على الأرض تتوه في كل اتجاه.

لاحظ أن في خطاب الله لك يستخدم الله صيغة الجمع عندما أمرك بالبقاء  مع مجموعة من البشر في الأمر الأول لأنهم يعملون معاً ويصلون معاً ويتواصون معاً ويحبون بعضهم البعض وبقاءهم معاً هو إحدى وسائل تقربهم إلى الله.

أما النهي الأخير فاستخدم الله فيه صيغة المفرد لأن من كان أمره فرطاً يستحوذ عليه الشيطان وحيداً حتى ولو ظهر أن له أصدقاء كثر فالذئب يأكل من الغنم القاصية.

واصبر نفسك ... ولا تعد عيناك ... ولا تطع

هي أوامر ونواهي لك أنت ... واضحة وصريحة ... هل ستقرأ الآية ابتغاء ثواب التلاوة وتتجاهل تطبيقها لأن القرب ممن يدعون ربهم بالغداة والعشي يصيبك بالملل وأن عاداتك وتقاليدك الموروثة هي التي تحكمك في اختيار أصدقاءك؟ أم ستقرأها وتتدبرها وتعمل بها؟  الاختيار لك والمسئولية عليك.

الإسلام السياسي والإسلام غير السياسي

يطيب للبعض وخاصة من أهل النخبة تقسيم الإسلام إلى نوعين: إسلام سياسي وإسلام آخر يمكن أن نطلق عليه الإسلام غير السياسي.

والحقيقة أنا لا أدري كيف نوزع مبادئ الإسلام وتعاليمه على هذه التقسيمة فيا أهل النخبة أعينوني على الإجابة:
  • هل من الممكن أن نقسم آيات القرآن إلى قسمين ونقول لمن يتبعون الإسلام السياسي اقرأوا القسم الأول ونعطي القسم الثاني للإسلام غير السياسي؟
  • كيف نصنف الآية الكريمة: وَأَعِدُّو اْلَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ  هل نصنفها في الإسلام السياسي أم الإسلام غير السياسي؟
  • كيف نصنف الآية: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ؟
  • هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتبع الإسلام السياسي أم الإسلام غير السياسي؟ 
  • هل عندما جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة للإتفاق على وثيقة لرعاية حقوق المسلمين واليهود كان يعلمنا وقتها الإسلام السياسي أم الإسلام غير السياسي؟ إذا كان لا دين في السياسة ألم يكن أولى له أن يترك أحداً من أصحابه يتفاوض مع اليهود حتى لا "يتنجس" الرسول صلى الله عليه وسلم بالسياسة؟
  • عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحارب بنفسه في الغزوات ، هل كان يتبع الإسلام السياسي أم الإسلام غير السياسي؟
  • هل عندما محى الرسول صلى الله عليه وسلم بيديه الشريفتين كلمة "رسول الله" من معاهدة الحديبية هل كان يعلمنا وقتها الإسلام السياسي أم الإسلام غير السياسي؟ 
  • هل عندما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الوفود إلى البلاد المجاورة هل كان يقوم  بالسياسة الخارجية المرتبطة بالإسلام السياسي أم بالإسلام غير السياسي؟
  • هل عندما كنت أدعو الله قبل النزول إلى ميدان التحرير بأن يساعدنا على تغيير النظام تعتبر دعوتي لله هذه من الإسلام السياسي أم من الإسلام غير السياسي؟
  • هل عندما كنت أدعو الله أن يولي علينا من يصلح هل كان هذا إدخال الدين في السياسة وأن الإسلام غير السياسي يحتم علي ألا أخلط أمور الإيمان بأمور السياسة؟

إن الإسلام منهج حياة يصلح به الله جميع الأحوال في كل العصور وعلى كل المستويات فالعامل والسياسي والطبيب والمدرس يستمدون مبادئهم من دينهم ويعملون لله كل في تخصصه.

فأرجو ألا يفتن أحد منا عن بعض ما أنزله الله إلى نبينا بسبب دعاوي من يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

رحلة إلى المجهول - ما كتبه الدكتور عصام حشيش من داخل السجن

قابلت الدكتور عصام حشيش الأستاذ بهندسة القاهرة قسم اتصالات اليوم وسعدت بابتسامته وبالحديث معه وتذكرت رحلته مع المجهول التي كتبها من داخل سجن مزرعة طرة ودعوت له بالبركة والسعادة في الدنيا والآخرة.

هذا ما كتبه. 

رحلة إلى المجهول

[02/07/2007]

بقلم: د. عصام حشيش


لم أكن أتصور يومًا أنني سوف أسجل وقائع هذه الأحداث التي مرت بي خلال شهر يونيو من عام 2007م داخل سجن مزرعة طرة أو أنها سوف تجد طريقًا للنشر، ولكنني رأيت أن فيها من المعاني والدروس المستفادة ما يصلح أن يُشكِّل ملامح رسالة واضحة المعالم إلى كل من تشبث بأهداب الدنيا.


وكل مَن ينتابه الحزن على ما فاته فيها وكل مَن شغلته دنياه عن آخرته،وكل مَن ظلم وطغى وتجبر في هذه الحياة الفانية، وكل مَن ظن أنه متربع على كرسيه أبدًا، وكل مَن ظن أنه من الموت بعيد المنال وتلك الرسالة تؤكد أن الجدار الفاصل بين الموت والحياة بين القوة والضعف جدار هش رقيق يسهل عبوره أو اختراقه في لحظة من الزمن قد لا تزيد على لمح البصر لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرًا.


مقدمة الرحلة

لقد بحثت عن عنوان يليق بهذه الأحداث التي وقعت لي في تلك الفترة فلم أجد خيرًا من هذا العنوان؛ لأنها وقائع تمثل فعلاً رحلة إلى المجهول والغريب أن هذه الوقائع تندرج في إطار منظومة أكبر تشمل الأحداث الخاصة بالقضيةرقم 2 لسنة 2007م عسكرية لتشكل بدورها رحلة أكبر إلى مجهول آخر ينطبق عليه ما ورد في القرآن الكريم على لسان السحرة مخاطبين فرعون قائلين ردًّا على تهديدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (طه: من الآية 72) إنما تقضي هذه الحياة الدنيا؛ ولا عجبَ في ذلك فإن تلك الرحلة الكبرى قد حفلت بالكثير من الوقائع العجيبة والمفارقات الغريبة التي تصلح أن تكون منسوجةً في عالم الخيال، أو في كوكبٍ آخر وليست أحداثًا قد سقطت وتطايرت في أرض الواقع معبرة عن مدى الظلم الذي تعرَّضت له فئة من أفضل رموز هذه الأمة يشار لها بالبنان والتقدير والاحترام في محيطها الذي تتواجد فيه سواء كانوا أعضاء لهيئة التدريس بالجامعات أو رجالاً للأعمال والصناعات أو مهنيين قدموا خدمات جليلة لمجتمعهم الذي يعيشون فيه شهد بها القاصي والداني.


بداية الرحلة

لعل القارئ قد أصبح يتوق شوقًا أن يتعرف إلى معالم هذه الرحلة القصيرة إلى ذلك المجهول، وهي رحلة بدأت وقائعها في سجن مزرعة طرة؛ حيث غيَّبت أسواره تلك الرموز في إطار القضية رقم 2 لسنة 2007م عسكرية والتي عُرفت باسم قضية الشاطر وإخوانه، وحيث توالت الأحداث وتتابعت ابتداءً من القبض ثم العرض أمام نيابة أمن الدولة العليا ثم إفراج محكمة الجنايات الذي صدر ثم ما تلا ذلك من اعتقالٍ عقب صدور حكم الإفراج، بالإضافة إلى التحفظ على أموالنا وكأنَّ كل هذا لم يكن كافيًا لردع الشرفاء عن قولة الحق والوقوف أمام الباطل فصدر بعد ذلك قرار الإحالة إلى القضاء العسكري.


وتتوالى الأحداث فيصدر قرار آخر من المحكمة بالإفراج من الاعتقال ثم يتم رفض اعتراض الداخلية على هذا الحكم بحكم ثالث من المحكمة ليؤكد الإفراج الوجوبي الذي ضربت به وزارة الداخلية عرض الحائط، ومن ثَمَّ حدث التعجيل المريب لعقد أولى جلسات المحكمة العسكرية في أقل من 48 ساعةً وقبل اكتمال أوراق القضية، وشاءت إرادة الله أن يصدر القرار التاريخي للقضاء الإداري ببطلان قرار الإحالة للمحاكم العسكرية لهذه المجموعة على يد المستشار محمد الحسيني لترد الداخلية على ذلك، وكأننا في حرب ضروس بالاستشكال في دائرة غير مختصة للتهرب من تنفيذ الحكم ثم يتم الطعن على هذا الحكم أمام دائرة معينة في المحكمة الإدارية العليا معظم أفرادها منتدبون بالحكومة،وتصر هذه الدائرة انفرادها بنظر الطعن رغم الإجراءات التي اتخذت بردها مخالفة بذلك صريح القانون تلك هي الأجواء التي عشناها خلال هذه الفترة.


ولم يكن لنا في هذه الظروف من حيلةٍ إزاء تلك الإجراءات الظالمة المستبدة سوى اللجوء إلى الله وحده نشكو إليه ظلم العبيد للعباد، نشكو الطغيان والفساد الذي أصبح سمتًا ومعلمًا من معالم الظالمين، وفي ظل هذا المناخ اتخذت قرارًا بالإكثار من الصوم، وفرض نظام فيه شيء من الصرامة على الطعام.


وقد كنت مصابًا منذ فترة بالذبحة الصدرية، وبطبيعة الحال كنت أداوم على أدوية خاصةً للعلاج منها الأسبرين، ويبدو أن الصيام مع نظام الأكل الجديد قد تفاعل مع الأسبرين منتجًا قرحة بالمعدة ترتب عليها نزيفٌ دموي لبضعة أيام أدَّى إلى فقدان كمية كبيرة من الدماء وانخفاض نسبة الهيموجلوبين؛مما هدد بحدوث غيبوبةٍ لي وفقداني للوعي ثم على أثر ذلك نقلي بسرعة إلى مستشفى قصر العيني لعمل منظار يوم الخميس 31/5/2007م؛ حيث تم بالفعل اكتشاف قرحتين بالمعدة، وصدرت أوامر الأطباء بالكف عن تناول الأسبرين حتى يتم علاج القرحة أولاً مع الكف عن الصيام والتخفف من القيود على الطعام.


الرحلة إلى المجهول

توقفتُ عن تناول الأسبرين كما طلب الأطباء، وتم تعديل نظام الطعام، وسارت الأمور على ما يُرام لمدة أسبوعين حتى كان يوم الخميس مساءً الموافق14/6/2007م لاحظتُ أن العرق الكثير يُفرز من جسمي لأقل مجهودٍ يُبذل.


وأويت إلى الفراش في ذلك اليوم حوالي الواحدة والنصف من صباح يوم الجمعة،و لم أعرف ما الذي حدث بالضبط بعد نومي ولكني فوجئتُ كما لو كان زلزالاً داخليًّا شديدًا قد ضرب جسمي استيقظتُ على إثره بعد نصف ساعة بالضبط عند الثانية صباحًا ووجدتُ عندئذٍ صعوبةً بالغةً في فتح عيني، وانتبهتُ إلى أن قسمات وجهي ظلت متصلبةً لفترةٍ قصيرةٍ عند استيقاظي كما شعرتُ بخدرٍ ملحوظٍ يسري على جانبي فكي الأسفل، وكل هذا كان مصحوبًا بتسارعٍ في ضربات القلب وآلام في الصدر وإجهاد شديد في الكتفين.. لقد مررتُ بأزماتٍ قلبيةٍ قبل ذلك عدة مرات، ولكنني لم أشعر بمثل عنف هذه الأزمة أبدًا.


ولذلك فإنني عندما تعرضتُ لها اختلطت عندي الأمور وحرتُ في معرفة كنه هذه الأزمة.. هل هي حقًّا أزمة قلبية أم أنها بوادر جلطة بالمخ، ولهذا لم أستطع أن أتعامل معها في البداية.. شعرتُ بالإعياء وتخيلت أنني سوف أدخل في غيبويةٍ بعد قليل لم أستطع بالطبع أن أقدر كم من الوقت أستطيع الاحتفاظ فيه بالوعي، ولكنني ظننتُ أنه قليل نظرت إلى رفاقي بالزنزانة فوجدتهم ما زالوا نيامًا، لقد صارت الساعة في حدود الثانية والنصف صباحًا أي أنه قد انقضت نصف ساعة منذ بدأت هذه الأزمة سألتُ نفسي ماذا أستطيع أن أفعل فيما تبقى لي من وقتٍ مجهولٍ أحتفظ فيه بحواسي، راودتني نفسي أن أوقظ أحدًا من إخواني السبعة الذين ينامون معي في الزنزانة ليخف إلى نجدتي، ولكنني سرعان ما صرفتُ هذا الخاطر كراهة الإزعاج، خاصةً أننا في جوف الليل ولو تنبَّه أي واحدٍ منهم لما يحدث لي فإنه حتمًا سيُوقظ الآخرين وسيؤدي هذا إلى إشاعةِ جوٍّ من الانزعاج بل والفزع؛ لأن بابَ الزنزانة موصدٌ من الخارج وليس من السهل فتحه إلا بعد حين.


ولن يقتصر القلق والانزعاج في هذه الحالة على زنزانتنا، بل إن نداءاتهم سوف تصل إلى بقية الزنازين، وسوف يستيقظ كل النائمين.. تخيلتُ كم يكون مؤلمًا على النفس أن تشعر بالخطر يتهدد عزيزًا لديها أمام عينيها ولاتملك له دفعًا أو ردًّا ونظرًا لما أعرف كيف تُدار الأمور داخل السجن فإنني شعرتُ أنه حتى لو طلبتُ النجدةَ فلن تصل قبل ساعات، وعند هذا الحد من التفكير حزمتُ أمري أن أتعامل مع هذه الأزمة وحدي دون إزعاجٍ لإخواني حتى يُفتح باب الزنزانة في الصباح أو يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.


أخذتُ أُعيد التفكير من جديدٍ فيما أستطيع أن أفعله، رأيتُ أن أُسجِّل كل الأعراض التي انتابتني على ورقةٍ أمامي حتى إذا غبتُ عن الوعي يراها مَن يأتيني فيعرف المقدمات.. قررتُ أن آخذ حبةً تحت اللسان لتوسيع الشرايين وقلتُ لنفسي إنه مهما كان نوع الجلطة فإنها ستُفيد بلا شك.


وواتتني فكرة كتابة رسالة قصيرة فيما يبدو لي من لحظاتٍ باقيةٍ تكون أشبه برسالة الوداع لإخواني الذين سُجنت معهم وتشاركنا في الآلام والآمال ولأهلي وزوجي وأحبائي الذين أحببتهم، وأنا على وشك فراقهم كما غلب على ظني، كنتُ أفكر عندما شرعت في كتابة هذه الرسالة في كلماتٍ جامعةٍ موجزة حتى أستطيع إكمالها بسرعة، دعوت فيها بالخير لي ولكل مَن سار على طريق الله القويم وجال خاطري مَن ناصبونا العداء واستباحوا حريتنا وأموالنا وأجرموا في حقنا دون وجه حقٍّ وضربوا بمصالح الأمة والعباد عرض الحائط فيسبيل تحقيق مطامع شخصية وأهواء فردية، وتساءلتُ: هل أدعو الله أن ينتقم منهم ويجعلهم عبرةً لمَن يعتبر؟ توقفت برهةً ورأيتني لم أملك نفسي إلا أن دعوت الله لهم بالهداية، لقد تغلبت رغبتي في هدايتهم ونفع المجتمع بهم على رغبتي الشخصية في الانتقام والثأر منهم.


لم تزد الرسالة التي كتبتها عن بضعةِ أسطر خططتُ كلماتها لتعبر فقط عن سيل الخواطر التي واتتني بأقل كلماتٍ ممكنة؛ وكانت قلة الكلمات أمرًا طبيعيًّا لأنني لم أكن قادرًا على الاسترسال في الكتابة من جانب، كما أن حالتي الذهنية في مثل هذا الموقف لم تسمح لي بالاستمرار في الكتابة، لقد كان الموقف مهيبًا ليس من السهل تصويره أو رسم معالمه أو الإحاطة به، ومن الغريب أنه رغم ما ذكرت عن هذا الموقف فقد كنتُ على الجانب الآخر أشعر بطمأنينةٍ عجيبةٍ قد بعثها الله في وجداني وأنا جالسٌ أواجه ما قد يعبربي إلى عالمٍ آخر.


شارفت الساعة الثالثة صباحًا وأنا جالسٌ على سريري أرقب تطورات الحالة وجدت أن الأمور لم تزدد سوءًا فحمدت الله عز وجل على هذه النعمة التي أنعم بها عليَّ وحفظ بها نفسي.. رأيتُ إخواني وقد بدأوا يستيقظون واحدًا تلو الآخر ليقفوا بين يدي الله رُكعًا وسجدًا في صلواتٍ في جوف الليل البهيم؛ فضلتُ أن أتركهم يصلون لربهم فالأمر ما زال لا يحتاج إلى تدخلهم أو إزعاجهم.


لحظات قليلة انقضت بعد ذلك ثم أحسستُ أن الأزمة بدأت تنقشع بالتدرج ورويدًا رويدًا انطلق أذان الفجر يدوي بين جنباتِ العنبر بصوتٍ عزبٍ رخيم وجدت أنني بحمد الله ما زلتُ على قيد الحياة، بل وأحسستُ بتحسنٍ ملحوظٍ ينطلق داخل كياني لقد أستطعتُ عندئذٍ أن أنهض من جلستي التي كنتُ عليها بل وأمكن لي أن أُصلي الفجر مع إخواني، ولم أتمالك نفسي من أن يلهج لساني بالحمد والثناء والشكر لله عز وجل.. لقد أحسست أنني كنت في رحلةٍ إلى المجهول.

------------ -

* الأستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة- السجين بمزرعة طرة- قضية رقم 2
لسنة 2007م عسكرية
© Reflections 2013 Is Designed By Templateify & Twigplay